سوسن الأبطح: فشلت في أن أكون أمًا تعطي دون حساب و أولادي لا يحبون مهنتي

نسخة للطباعة نسخة للطباعة أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق

Table of Contents:

  • سوسن الأبطح: فشلت في أن أكون أمًا تعطي دون حساب و أولادي لا يحبون مهنتي
  • Page 2
  • Page 3
حياة كل واحد منا جملة من النجاحات والإخفاقات . .
وأجمل شيء أن يترك الواحد منا الحديث عن نفسه، ويدع الآخرين يتحدثون عن إنجازاته ونجاحاته. حسنًا . . وعماذا هو يتحدث إذًا، عن إخفاقاته؟ ربما!
الفشل ليس عيبًا، فهو وقود الانتصارات . . 
«المعرفة» تريد من هذا الباب أن تقول للشباب من الجيل الجديد إنه ليس هناك إنسان لم يذق طعم الفشل في حياته، نريد أن نقول لهم إن الجيل الذي سبقهم هو جيل إنساني يخطئ ويصيب . . ينجح ويفشل، ثم ينجح مع الإصرار.
ف: فرصة تمنحك إياها - المعرفة - لتسجيل اعترافاتك.
ش: شهادة.
ل: ليس عيباً أن تفشل . . ولكن العيب أن تزعم أنك لم تفشل في حياتك! 
 
حلمت بأن أصبح مذيعة، بعد أن قال أصدقاء لوالديّ إن لي صوتًا إذاعيًا رخيمًا، وأنا ما أزال في السادسة عشرة. وحلمت بأن أصبح ممثلة بعد أن قرر مصور العائلة استخدام سحنتي في صورة إعلانية لتسويق مواهبه الفوتوغرافية، قائلًا إن وجهي «فوتوجونيك»، وقادر على التعبير عن السرور والغضب، بدون الكثير من الجهد والتعب.
وكنت في ذلك السن أيضًا، كلما قرأت رواية حملتني إلى أبعد من غرفتي وسافرت بي بعيدًا، أتمنى لو كنت روائية أجول بالآخرين حيث أشاء، وأرحل بهم بعيدًا عن همومهم وشجونهم إلى عوالم أنسجها لهم بخيوطي وشباكي.
لكنني كنت أقلع عن كل هذه الأحلام، وأتمنى لو أصبح مفكرة أو محللة كلما شاهدت أحدهم على شاشة التلفزيون يقول كلامًا صعبًا ومعقدًا، ويستخدم مفردات أجهلها، فأصغي حاسدة قدرته على قول عبارات لا أعرف كيف أحيك مثلها. وانتقامًا من جهلي، كنت أبقى ساردة أسمع وأتتبع علّي أتمكن يومًا من التفلسف على طريقة هذا الضيف التلفزيوني.
لكن أحلامي هذه بدت كلها «خنفشارية» وتشبه الفقاقيع الصابونية، وأنا أصل إلى المرحلة الثانوية، فلا كتابة الروايات لها فرع تخصصي في الجامعة، ولا التمثيل كان بوارد أهلي، ولا حتى دخول المجال الإذاعي أو التلفزيوني كانت معروفة دروبه بالنسبة لي، خاصة وأننا كنا نعيش في قطر، والبلد لا يزال في بدايات نهضته، وبالكاد كانت جامعة قطر قد فتحت بعض كلياتها.
ولما كنت أعرف أن أسهل السبل هو تقليديها، فقد عدّلت من مزاجي، وتحايلت على تطلعاتي، وأقنعت نفسي بأن كلية الطب هي غاية معروفة سبلها، خاصة وأنني بدأت أتفوق في المواد العلمية. إلا أن ظروفًا عائلية عادت بي إلى لبنان، وحشرتني في طرابلس حيث الحرب الأهلية كانت قد اندلعت، والبلد أوصاله قد تقطعت. ولحسن الحظ أن الجامعة اللبنانية كانت قد افتتحت لها فروعًا لبعض الكليات في الشمال اللبناني، كي توفر على الطلاب تنقلات قد تكلفهم أعمارهم. حينها لم تكن الخيارات كثيرة، ولا الأحلام متاحة.
لا أدري لماذا سجلت في قسم الأدب الإنجليزي، ولكنني اكتشفت بعد شهر أن مدرستي القطرية التي كنت فيها متقدمة في اللغة الأجنبية، لم تؤهلني لأن أفهم شكسبير ولا أن أقرأ هيمنغواي، فهربت إلى قسم اللغة العربية لأدرس القواعد والنحو، الذي لم أفلح به يومًا، ولم أهضمه في حياتي. وبقيت أربع سنوات أحاول أن أصادق سيبوية وأتعايش مع الخليل بن أحمد الفراهيدي، وأحبب إلى نفسي العروض، وأخفف من محنتي هذه بقراءة الأدب.
وكي لا أنفجر غيظًا أو أموت كمدًا مما فرض عليّ من مواد أمقتها ونمط عيش حربي يقتل الأمل بالحياة، هربت مع ميخائل نعيمة وجبران ونجيب محفوظ وشعراء الحداثة، وكل كتاب وصل إلى يدي حينها، كي أحاصر الموت الدائر حولي بدل أن يحاصرني.
لغاية هذه اللحظة لا أذكر أنني فشلت يومًا إلى حد الفجيعة، أو نجحت لدرجة النشوة والانبهار. وقد تكون أيامي كلها مجرد محاولة حثيثة للهروب من فشل مدمر، أو الوقوع في مطب الإحباط المظلم. أعلم أنني من أولئك الذين لهم من الهشاشة والضعف ما يمنعهم من مصادمات الأقوياء.
 
سياسة الأهداف المتحركة
فهمت باكرًا أن العالم مجموعة من الأبواب الموصدة، لذلك علي كي أنجو بجلدي أن أنتهز أي باب مفتوح يؤدي إلى بصيص ضوء. وعوضًا عن أن أضيع وقتي في تحطيم ما يمكن أن يكسرني، عملت وفق مقولة «رحم الله امرءًا عرف حده فوقف عنده»، فلم أختر الفروسيات، كما لم أطمح لقفزات ووثبات تفوق طاقتي على القفز.
فشلت في أن أذهب إلى كلية الطب، وفشلت في أن أبقى في قسم الأدب الإنجليزي رغم جهودي المضنية، هذا صحيح، لكنني في المقابل وجدت في الأدب العربي متعة لا تقاس، ومن النصوص التي قرأتها استولدت ذاتي مرة أخرى، وربما مرات... ومرات عديدة. فكلما عرفت جديدًا أحسست وكأن هدايا وعطايا تنهال عليّ من السماء.
وفشلت أيضًا في أن أحب رجلاً أندم على خسارته. فالشاب الأول الذي كان مشروع خطبة، صار مدمن مخدرات، وأصبحت حياته جحيمًا مقيمًا، لكنني في المقابل ارتبطت بشاب آخر، كان مدمن أدب، حتى أنني خفت الارتباط به لشدة ما كان ينفعل وهو يحدثني عن مسرحية قرأها لشكسبير، حتى أظن أنه سيتناول خنجرًا ويقتلني أو ربما خنقني كما فعل عطيل بديدمونة. خشيت أن أكون مريضة، وأشعر بجاذبية اتجاه المدمنين والمهووسين، فطمأنني زميلي هذا الذي كان يشاركني مقاعد الدراسة وحبي للأدب، أنه يعرف جيدًا كيف يميز بين الخيال والواقع، حين يلزم الأمر، وأنه يحلم منذ مدة طويلة بأن يسير على درب طه حسين، ويذهب إلى السوربون ليكمل دراسته في الدكتوراه، وبما أن اسمي يقارب اسم سوزان رفيقة درب عميد الأدب العربي، فهو يتفاءل بي خيرًا لو كنت إلى جانبه.
 
الزواج على طريقة طه حسين
ترددت كثيرًا قبل أن أوافق على مشروع يشبه فيلمًا سينمائيًا مليئًا بالمطبات، ونهايته قد تكون مشوبة بالمخاطر. فكلانا لا يعمل، والغربة في سن صغيرة لزوجين مبتدئين، وهما لا يزالان طالبين، ليست مأمونة العواقب. لكن الحب يجرف ولا يذر. ورغم مخاوف عائلتي وتحذيرات المقربين من الدخول في لعبة مصيرية بهذه الطريقة الجنونية، سافرنا معًا إلى باريس، وهناك وجدتها فرصة لأنتقم من الإنجليزية بتعلم الفرنسية. والسنوات الثلاث أو الأربع التي كان يجب أن نقضيها هناك، صارت ثلاثة عشر عامًا، بقينا خلالها تلامذة رغم ولادة ابنتنا بعد سنوات ثلاث من وصولنا.
ربما لحظتها فشلت في أن أكون طالبة أعطي كلي لأطروحتي، وفشلت أيضًا في أن أكون أمًا تعطي دون حساب. صارت كفة الميزان تتأرجح يمينًا وشمالًا، وزاد الطين بلة أن العمل بجد بالنسبة لنا بات أمرًا لا مفر منه، وقد كبرت المسؤولية، وطالت المدة، واستمرت الحرب، وكأنها لن تنتهي أبدًا. ورغم أن ابنتي كبرت اليوم، ولا تشكو لي من ظلم ألحقته بها، بل تتذكر أيام باريس بكثير من الحنين، إلا أنني كنت قد قررت حينها ألا أجازف بطفل آخر، ما دامت الظروف تمنعني من أن أمارس أمومتي حتى الامتلاء.
No votes yet